الممكن التربوي إحداثياته…ورهاناته…
كتب الدكتور كمال الحجام
لقد اخترنا أن نفكر في ” الممكن التربوي” بدافع قناعتنا في اعتبار أهمية اللحظات التاريخية التي تختارها مختلف الشعوب لطرح قضاياها الهامة والاستراتيجية وكيفية بناء مشاريعها المجتمعية المستقبلية عامة. وفي تقديرنا، لا شك أن الطرح الفكري للاستشراف التربوي بالنسبة إلى مختلف المجتمعات وكيفية بناء مسارات التغيير فيها يكون مرتبطا بمدى نجاحها في بناء القناعات المشتركة وبمدى قدرتها على توظيف مقاربات تشاركية من شأنها أن تساهم في كسب رهاناتها.
إننا نعتبر أن هذه المساحة الفكرية التي تبنيها المجتمعات بفضل خبرائها ومثقفيها وفاعليها الاجتماعيين عامة، تمثل في رأينا ما يمكن أن نطلق عليه ” الممكن في التربية” ونعتبر ان هذا الممكن هو الذي يبني فضاء الإنجاز ويعطي معنى لرهاناته. إن المتأمل في النصوص المحدثة للنظم التربوية الناجحة والتي اكتسبت رهان جودة أدائها، يلاحظ أنها لم تبن مستقبلها على مجرد أطروحات فكرية دخيلة على ثوابت ثقافاتها، بقدر ما تمكنت من صنع مجدها بفضل قدرتها على استباق ” ممكنها التربوي”. لقد نجحت هذه الشعوب عامة في بناء قناعات مجتمعية متأصلة قائمة على عقلانية محلية واقعية مثلت طموحها ورؤيتها المستقبلية. بهذا نعتبر ان النظام التربوي الذي لا يبني ” ممكنه ” لا يعطي معنى لماضيه كما لا يستشرف امتداده في التاريخ.
إن الاهتمام ب” الممكن التربوي ” والاشتغال عليه يمثل في تقديرنا يقظة مجتمعية ضرورية يمارسها المختصون التربويون وكل الفاعلين في المجال التربوي، إن هذا “الممكن” بقدر ما يفتح أفق المستقبل التربوي ويستكشفه بعقلانية محلية وواقعية مسؤولة في علاقاته بماضيه ومكاسبة وهناته، بقدر ما يؤرخ لمسار تطور المنظومة ويترك الأثر الكتابي المطلوب للدارسين. وتبعا لأهميته في حياة الشعوب، ووعيا بحساسية هذه اللحظة التاريخية التي يعيشها مجتمعنا اليوم، يجدر بنا أن نتطرق بشكل منهجي في تعريفه لغويا وفلسفيا وسياسيا لفهمه والتوقف عند آحداثياته المعاصرة الراهنة لتنزيله في سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي…
إذا كان “الممكن” لغويا هو اسم الفاعل من ” أمكن ” المشتق من الفعل “مكن”، فإن “الممكن” اصطلاحا هو ما بسطنا عليه سلطان العقل وكسبنا استطاعة تحقيقه وأصبحنا قادرين عليه وظفرنا به. وفي هذا السياق، نعبر عن “الممكن” عادة بالقابل للتحقيق، وبالقابل للتنفيذ وبالمحتمل. وفي هذا المعنى، يعتبر الفيلسوف (Leibniz) ان هذا المفهوم مهم في بناء الواقع بل هو يقدر ان المرور من “الممكن” إلى الواقع يتم بفضل سلطة العقل. كما يعتبر (Emmanuel Kant) أن “الممكن الواقعي” يمثل احد انماط الموجود، وهو الذي بذلك قد افترض شروط تحقيقه فتجسّد بشكل فعلي.
إن مفهوم ” الممكن ” لدى الفلاسفة الوجوديين في القرن العشرين يختلف عن مفهوم “المحتمل” ، ففي نظرهم إذا كان “الممكن” هو ما يقبل أن يتحول إلى واقع لمّا تتوفر شروطه الموضوعية وهو في الغالب إيجابي أصلا، فإن “المحتمل” يتخذ إمكانية التجسيد الإيجابي أو السلبي الذي قد يطرأ على الواقع بصفة تلقائية
…
ويجرنا هذا التحليل اللغوي والفلسفي الى التوقف عند مفهوم “الممكن” كما تم توظيفه في المجال السياسي وبناء المشاريع المجتمعية، فقد تحوّل بمفعول الرهانات التي تحملها الوعود السياسية عامة إلى كل المرغوب فيه والمتوقع إنجازه دون التقيد الفكري بضرورة توفير شروط تحقيق ومستلزماته. إن هذا التوظيف في تقديرنا قد أضفى على هذا المفهوم صفة الغموض فاختلطت معانيه لدى العامة وتم استنزاف جوهره، وهو ما جعل عالمة الاجتماع (Hannah Arendt) تحذّر من هذا التوظيف الذي يجعل “كل شيء مسموحا به وكل شيء ممكنا”.
وسعيا منا لتجاوز هذا الغموض، سيما وأننا نوظفه في المجال التربوي المستشرف لبناء المجتمعات الانسانية ومستقبلها، يمكننا القول أن التأمل في ” الممكن” كما اشتغلت عليه الشعوب المتقدمة ليمثل اوجه ثقافاتها الانسانية، يجعلنا نستخلص أنه لا يعني الوعود وما تحتويه من وهم تفقده معانيه، كما لم يكن مجرد بنيات فكرية خالصة تتمخّض لدى الباحثين بفضل التفكير المجرّد فيه، بقدر ما يعني في جوهره تشكيل مجتمعي عقلاني يقظ وواعي من خلال ما يتيحه الفكر البشري من بناءات ذهنية مسلطة على الواقع تمكنت من أن تتحول إلى ترميزات ثقافية في الذاكرة الجماعية، وهو بذلك نتيجة موضوعية تنبثق عن تفاعل العقل مع الموجود النفسي-الاجتماعي- العاطفي- الفني باشكاله المختلفة.
وبهذا المعنى نعتبر ان الشعوب عامة لا تحتفظ بالماضي كثابت مغلق محدد، بقدر ما هي تعيد بناءه بحركات ذهنية نشيطة من خلال حاضرها كما تدركه وكما تتفاعل معه، وبهذا أيضا يمكن القول أن قوة تذكر الماضي تتوقف لدى المجتمعات البشرية على مقدار تمكنها من تجسيد فكر أفرادها المختلفين في أطر جمعية متناسقة تكوّن حالات مجتمعية في شكل ثقافات رمزية يسهل تمثلها.
لكل هذه الأسباب مجمّعة ومتفاعلة مع بعضها، اخترنا أن نفكر في “الممكن التربوي” ونعرضه في هذه الموازنة كمحرّك استراتيجي لكل تطوير يستند الى العقل ويعتمد الواقع مسرحا للتأمّل، إننا نسلّط الضوء على ” الممكن” في هذا المجال بدافع قناعتنا في اعتبار أهميته التاريخية في حياة الشعوب وتحديد مصيرها. إن طرح القضايا المصيرية لدى المجتمعات تؤكد حرصها الواقعي على وجود إرادة ورغبة وقدرة على تصور مشاريعها المستقبلية عامة وتسييرها عبر الزمن.
إننا نعتبر أن هذا المجال الفكري الذي تبنيها المجتمعات هو شرط وجودها ومحرك تطويرها. ولا نخال نجاح هذا التفكير العقلاني الموضوعي يتم دون مساهمة الباحثين ودون معاضدة الفاعلين الاجتماعيين عامة، وان نجاح تعاونهم يبني في رأينا هذا ” الممكن في التربية” وهو الذي يحدد فضاء الإنجاز ويعطي معنى لرهاناته.
إن الاهتمام ب” الممكن التربوي ” بهذا المعنى يعبر في تقديرنا عن وجود ديناميكية فكرية مسلطة على الواقع، فهي ضرورة منهجية للتغيير وآلية تستلزمها الشروط الموضوعية لبناء المستقبل.
الممكن في التربية حينئذ هو الفضاء الفكري التربوي، هو العقل البيداغوجي الضروري لما يمكن وجوده لاحقا، هو الذي بفضله تبنى المنجزات، وهو الذي يفترض وجوده تحوله الى وقائع تربوية موضوعية قابلة للتحليل والفهم لتتجاوز بذلك مجرد التمثلات الفكرية كما عبر عن ذلك عالم الاجتماع الفرنسي (دوركايم، 1924) في مؤلفه (السيوسيولوجيا والفلسفة، 1924). ويعني “الممكن التربوي” في هذا السياق شرط التفكير المعمق في المسائل التربوية في إطار محلي عقلاني يخضع الواقع لسلطة العقل.
إن التفكير المسبق في المسائل التربوية والذي يتضمن تفاعل جهود الباحثين والميدانيين لإعادة تشكيل الواقع التربوي، يحيلنا إلى التمييز بين استهداف العقل للواقع قصد أعادة تنظيمه او قصد بناء نموذج جديد يستمد تمظهره من السابق في تفاعله مع امتداداته الممكنة في المستقبل. وإذا سلمنا بضرورة تشكيل الواقع برؤية جديدة، فإن “الممكن التربوي” بهذا المعنى يصبح تجاوزا لقبول الواقع الواحد والماثل على حاله والاستسلام لمقتضياته نحو البناء المتجدد بالاعتماد على الاحداثيات الجديدة للقرن الواحد والعشرين. إن تمثلنا “للممكن في التربية” بهذا الشكل يجعلنا نستنتج أنه يمكن ان يوجد واقع آخر يكوّن مشهدا تربويا جديدا، وأن الواقع الحالي هو وجه من وجوه الممكن المتعدد.
ويجرنا هذا “الممكن التربوي” الى التوقف عند دواعيه الموضوعية في الوضع الحالي، ولعل من أهمها ضرورة التكيف مع السياقات الجديدة المعقدة والمركبة والمتحركة وما تتطلبه من مرونة ذهنية وقدرة على التفكير من داخل السياق ومن خارجه، وهو ما يمكن في الآن نفسه من القدرة على الفعل والإنجاز والتحرّر منه للتفكير فيه. كما يتطلب “الممكن التربوي” القدرة على التحول الى نموذج تربوي جديد يضمن تطوير الكفايات الموظفة للإمكانات اللامتناهية للتكنولوجيا الرقمية والتكيف مع الاجيال القادمة وقبول الاختلاف الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ويقظة الوعي المواطني والخروج من الحيز المحلي الضيق الى الحيز الدولي الأرحب ودعم التفاعل معه والانفتاح على الآخر.
يتنزل “الممكن التربوي” في إطار ما تفترضه مقتضيات الثورة الصناعية الرابعة التي يتأكد فيها تطور اقتصاد المعرفة. وبذلك يتمثل الرهان التربوي حينئذ في تمكين الأفراد من تملك كفايات التوظيف الأمثل للمعرفة على نحو الابتكار والتجديد وبناء الحلول لتصبح مهمة التربية بهذا المعنى إعداد النشئ للنجاح في الرهان الحضاري الذي يدعم تفاعل الفرد مع متطلبات القرن الواحد والعشرين.
تمثل الثورة الصناعية الرابعة منعرجا حاسما في تحديد “الممكن التربوي” الحديث واحد آحداثياته الهامة، فهذه الثورة تقوم في مجملها على تقارب التكنولوجيات والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وبهذا المعنى تصبح مهمة التربية مستقبلا توظيف التكنولوجيات الرقمية التي هي في طور الظهور والتطوير حتى تمكن الفرد من التحاور مع الآلات وتدعم قدرته على التشاور والتفاعل معها. وهو ما يغذي الفاعلية والتعلم بما ان الآلات تصبح المساعدة لمستعملها وتمكنه من إنجاز مختلف العمليات وتيسّرها له. إن الأخذ بعين الاعتبار هذه الإحداثية في “الممكن التربوي” الجديد يعدّ اعترافا وتوافقا مع الحركة العالمية حول جودة التعليم للجميع وتوفير مستلزماته باعتباره العامل الأساسي لتنمية الذات وتحقيق بقية أهداف التنمية المستدامة (2030).
إن “الممكن التربوي” لدى المجتمعات الحديثة يمثل الشرط الأساسي لكل تغيير والمحرّك الأساسي الذي بفضله تستنير الشعوب لبناء مستقبلها كامتداد طبيعي لماضيها وسيرورة تطويره في سياقه التاريخي. ولعل الطرح المنهجي في هذه الموازنة لفهم ” الممكن” وشروط النجاح في تقديره يعبّر في عمقه عن وعي باليقظة الاستراتيجية المطلوبة بما يمكّن من التفاعل مع الواقع بعقلانية تستهدف التحديد المسبق لكل شروط النجاح وكسب المأمول التربوي…
د/ كمال الحجام
الخميس 19 جانفي 2023













