موازنات: النجاح ثقافة مجتمعية قوامها الوعي الذاتي للفرد

كتب الدكتور كمال الحجام

تقوم التربية في جوهرها على مبدإ إيتيقي مفاده الإيمان بقابلية التعلم للجميع، وهي بذلك تنطلق في مسلماتها النوعية على ضرورة توفير الشروط الكافية لتحرير قدرة الفرد على التعلم وللمساهمة في بناء وعيه الفردي في سياق رؤية مجتمعية منظومية تقوم على التلازم بين ضروريات التحرر ومستلزمات العيش المشترك.
وفي هذا الإطار، تعيش كل شعوب العالم اليوم لحظة تفكير تاريخي تفرضه طبيعة القرن الواحد والعشرين وضاغطاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا مفرّ لكل المجتمعات الراغبة في الانخراط الواعي في مسار التنمية والجودة من الطرح الاستراتيجي لجملة القضايا المجتمعية المصيرية بهدف تطوير الوعي الفردي والجمعي لكسب الرهان الفكري المبشّر بالعمل كقيمة حضارية وكسبيل مهم لنشر ثقافة النجاح في إطار تنمية مستدامة تستجيب لكرامة الفرد.
إننا نقدّر بلوغ هذه الرهانات بالعمل أوّلا على بناء معالم يقظة منظومية تشمل بالتوازي الابعاد الذهنية، العاطفية- الاجتماعية، النفس- حركية ووضع الآليات العملية لبناء فضاء النجاح. ولا نخال ذلك ممكنا إلّا بمواجهة صريحة لمصاعب تمشّيات النجاح ثقافة وعملا، والسعي إلى رسم خيارات وخطط عملية فردية فجماعية تنقذ هذا المسار من شكلياته.
ومساهمة منا في هذه الموازنة في رفع هذا التحدي المستقبلي القاضي بالتمسك بثقافة النجاح، لنا أن نتوقف أولا عند التعريفات الممكنة له من زوايا مختلفة بما يساعد الدخول في مسارات بنائه من حيث هو ثقافة تقوم على الوعي الذاتي للفرد.
وتجاوزا للتعريف الاصطلاحي لمفهوم النجاح في اللغة الذي يؤكّد على معنى الظفر بالشيء وتحقيق الهدف ونيل الغاية على تنوّعها، فهو في جوهره خلق مستمرّ للحياة يمكّن الفرد من التفاعل مع المتطلبات الموضوعية والسياقية المحيطة به. وبهذا فهو يتنزّل في شكل سيرورة طويلة يعيشها الفرد وقيمة حضارية مدنية فشرط للتعلم ولتحقيق الامتلاء والأمن الذاتي. أما على المستوى المجتمعي، فهو يمثل سبيلا لتخليص الأمم من الجهل والفقر، وثقافة متجدّدة تساهم في نحت طريق السلام والحياة الآمنة الكريمة للفرد ودوره في رقي المجتمع.
يقترب الفرد من النجاح عندما ينطلق في التحرك نحو الهدف، ان النجاح بهذا المعنى عمل ومسؤولية مجتمعية من جهة، وهو في الأن ذاته التزام واع تجاه النفس دون دغمائية أو وثوقية مع الانفتاح على الآخرين دون التواكل في كل أبعاده العرفانية، والروحية، والجسدية والسوسيوعلائقية والاجتماعية. وبهذا يرتقي النجاح إلى مستوى القيمة الحضارية والقاسم المشترك بين المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات. فهو مواطنة مسؤولة تؤكّد على القيم النشيطة القاضية باحترام الاختلافات والقيم المشتركة وتثمّن التواصل وقواعد الحياة المشترك، وترفض العنف لتجذير مبادئ التضامن والتعاون والتسامح والاعتدال باتجاه تطوير الحس المدني للذات.
إننا نقارب مفهوم النجاح في هذا الطّرح باعتباره ثقافة وقيمة حضارية وسبيلا لخلاص الأمم من الجهل والفقر، باعتباره ثقافة تستهدف ترويض الوظائف الانسانية على استيفاء هدفها و تحويل الكائن من مجرد الوجود الطبيعي إلى الوعي بهذا الوجود، باعتباره مطلبا لإرضاء الذات وتعزيز الثقة بالنفس وانتزاع المكانة المرموقة في المجتمع. إن النجاح كثقافة هو العلم الذي يرتقي بالفرد ويجعله اكثر قدرة على الفهم والوعي كما انها الارتقاء بالذوق والعقل والقدرة على تبني المهارات وإدارة الحياة.
إن طرح مسألة النجاح في مستواه المجتمعي واعتباره ثقافة حضارية تقوم على الوعي الذاتي للفرد، تفترض ضرورة تنزيلها في صلب الاهتمام التربوي، ونذكر في هذا المجال أن التفاعل الإيجابي بين التربية والمتطلبات المجتمعية الحضارية تكون بمثابة المطلب الانساني الاستراتيجي الذي يعتبر خلاله الفرد أن النجاح يصبح مجال استثمار يتطلب الوعي الذاتي أولا بهدف تأصيل مفهوم الذهنيات- الموارد القادرة على تطوير المجتمع، وتواصلا مع هذا التوجّه الفكري نعتبره أيضا مطلبا براقماتيا يفترض تدريب الأفراد على التفكير وتكوين الآليات- المنهجية داخل المجتمع لتكون المحركات الرئيسية الضامنة للنمو المجتمعي والقادرة على تطوير المنافسة واكتساب الرهانات. ولعلنا بذلك نتوصل إلى طرح أسئلة جوهري تتعلق بالنظر في المقاربات التي تمكن من الوعي بالنجاح في عالم سريع التحوّل، وإلى أي مدى يمكن أن يكون مقصدا ثابتا كقيمة حضارية ومتطورا في آلياته ومضامينه ليواكب التحولات السريعة التي يشهدها العالم بانتظام. هذا ما يجعلنا في إطار تعقّد الحياة وتركيبها نسير في اتجاه تأسيس الفهم الشامل والمنظومي الديناميكي للنجاح الذي يعني في جوهره التحرّر الواعي للذّات الفاعلة من كل الوصايا المكبّلة وتعزيز الثقة بالنفس.
يمثل النجاح بهذا المعنى جوهر الانسان والوعي التلقائي بالذات، فلئن ارتبط بالأحاسيس والمشاعر الكامنة في اعماق الذات كما ظهر لدى الفيلسوف الانجليزي جون لوك الذي ربط حالة الوعي بالحواس الجسدية الخمس (وعي سيكولوجي)، فهو اساس الفكر البشري (ديكارت، 1596-1650)، وهو شكل من أشكال انعكاس معرفة الذات كما بدا ذلك لدى الفيلسوف البريطاني (ديفيد هيوم)، كما نراه مرتبطا بنظرية المعرفة لدى (ايمانيال كانط) الالماني ليكون عملية تمثل للعالم الخارجي في الذهن. إن تنزيل النجاح كثقافة وإدراج الثقافة على أنها الوعي الذاتي للفرد من شأنه أن يكون الآلية المجتمعية المنتجة للذات الحرة.
لا شكّ في تقديرنا أن النجاح يكون نسبيا وفي ارتباط وثيق بالسياقات التي تولّده، وإننا بذلك نطرحه في ظلّ ما يعيشه العالم اليوم من تغيرات سريعة وطارئة تطبع كافة أوجه الحياة. وفي هذا المجال نذكّر أن العالم يعيش اليوم ثورة صناعية (4.0) تقوم على تقارب التكنولوجيات الرقمية (الانترنات الصناعي، وتعميم استعمال المجسات والبيانات الضخمة والتحليلات الموظفة عليها، الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي…). وبذلك تكون الميزة النوعية لهذا القرن تتمثل في نجاح الأفراد في حسن توظيف كافة التكنولوجيات الرقمية الجديدة التي هي في مرحلة الظهور والتطوير حتى تمكنهم من التحاور مع الآلات وتدعم قدرتهم على التخاطب والتشاور معها، وبما يطور التفاعل بين الآلات نفسها وتبادل المعلومات وتمكن البيانات الضخمة المتوفرة من حسن توظيفها في تمشيات الانتاج في كل مراحله. بما يضمن التطوير المتواصل والتوظيف الأمثل وجودة المنتوج.هذا في رأينا ما يغذي الفاعلية والتعلم بما أن الآلات تصبح المساعدة لمستعمليها وتمكّنهم من إنجاز مختلف العمليات المعقدة وتيسرها لهم.
لقد أصبحت المعرفة مادة أولية سهلة الحصول بفضل ما تتيحه التكنولوجيات الرقمية، وقد تغيّر بذلك موقعها الابستمولوجي بشكل يجعل أهميتها لا تكمن في مضمونها في حذ ذاته بقدر ما يتنزّل في حسن توظيفها. وهو ما يجرنا إلى تمثل هذا التصوّر الجديد لمكانة المعرفة في الحياة وبالتالي يمكّننا من تحديد ملامح المواطنين المراهنين فعلا على النجاح. لم تعد المخابر المصدر الوحيد للمعرفة بل أن محركات البحث مؤهّلة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى أن تقدم مضامين معرفية حينية تستوجب الحذر العلمي في فهمها وتتطلب اليقظة المعرفية في استخدامها.
إن رهان القرن 21 هو تملك الأفراد لكيفية التوظيف الأمثل للمعرفة على نحو الابتكار والتجديد وبناء الحلول. فالنجاح في الحياة بهذا المعنى يصبح رهانا حضاريا يمكن من تفاعل الذات مع متطلبات العصر والتخصّصات المستقبلية (تحليل المعطيات والمعرفة العلمية، تطوير البرمجيات والتطبيقات، تحليل المعطيات الضخمة…).
إن تنزيل النجاح كقيمة حضارية مجتمعية يمنح للتربية رسالتها التجديدية المعاصرة ويسمح لها بتطوير مهامها باعتبارها المكلفة مجتمعيا بتنظيم تأهيل أفراد المجتمع وتدريبهم على كسب الرهانات المستقبلية. وفي تقديري يتطلب هذا التوجّه الجرأة في إجراء تعديلات لازمة لإرساء خيارات متجذرة في بيئتها المحلية ومتوافقة مع:
– أسس رؤية ” الحركة العالمية للتعليم الجيد للجميع” (سنة 1990 في “جومتيين”)
– معالم هذه الخيارات الدولية التي تأكّدت بمناسبة انعقاد المؤتمر العالمي للتعليم في (“داكار” سنة 2000)
– خيارات المنتدى العالمي ب(“إنشيون” بجمهورية كوريا سنة 2015)
– التوافق مع الحركة العالمية حول الجودة للجميع وتوفير مستلزماتها باعتبارها العامل الأساسي لتنمية الذات وتحقيق بقية أهداف التنمية المستدامة وسبيلها الرئيسي
– الانخراط الواعي في الحركة العالمية للجودة والاعتراف المسؤول بالأفق الإنساني الذي يحمله هذا التوجه (حق الجميع في الحياة الجيدة دون تمييز مهما كان مبرره، حق جودة الحياة باعتبارها مؤسسة لسائر الحقوق الأخرى وشرطها الأساسي، حق جودة الحياة واعتبارها وسيلة لتغيير حياة الناس والرقي بها، حق جودة الحياة عامل أساسي للتنمية الإنسانة المستدامة وتنمية الأفراد والشعوب والمجتمعات
– الالتزام بمضمون “إعلان إنشيون” “للتعليم بعنوان عام “2030” المتضمن إقرارا لمبادرة الأمم المتحدة “التعليم أولا”.
د/ كمال الحجام
الأربعاء 25 جانفي 2023

You May Have Missed