تأثير الاحتلال على العملات فى فلسطين( التحديات والتغيرات)

كتبت علياء الهواري

تاريخ ظهور النقود في فلسطين يمتد لما يقرب من 4000 عام، ومن الطبيعي أن يشهد تطورًا عبر العصور المختلفة. بدأ هذا التطور منذ ظهور الكنعانيين الأوائل واستمر عبر العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية، وصولًا إلى الانتداب البريطاني.

في فترة لاحقة من العهد العثماني، تم استخدام هذه النقود كقطع زينة تزين بها النساء الفلسطينيات.

تعتبر النقود المعدنية الفلسطينية عاملاً مساعدًا في توثيق المدن والممالك التي كانت موجودة في العصور القديمة. فهي تعبر عن الحقائق التاريخية لتلك الفترة وتساهم في إعادة كتابة التاريخ بدقة وموضوعية، متجاوزة الأوهام والتضليل.

في بداية ظهور النقود في فلسطين، تعود الأصول إلى الكنعانيين القدماء الذين كانت لديهم عملات تشبه القضبان والصفائح والحلقات. تطورت هذه العملات لتصبح قرصية معدنية متساوية تقريبًا وتحمل طوابع رسمية. عندما احتل الفرس فلسطين في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، ظهرت أول عملات معدنية مطروحة في فلسطين، وكانت تنقسم إلى فئتين.

1. ذهـبيـة تـدعى “دارك” نسـبة إلى دارا الأول (مـلك فـارس).

2. فئة تدعى “سجلوس”، وهي كلمة يونانية مشتقة من الكلمة الآرامية “شقل”.

على الوجه الأول لكلا الفئتين، كان يتم نحت صورة للملك الفارسي وهو يرتدي التاج الملكي ويحمل النبل على كتفه ويمسك بقوس بيمينه. أما على الوجه الآخر، فكان يظهر آثار السندان الذي استخدم لنقش تلك القطع.

في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، ظهرت مسكوكات فارسية أخرى مصنوعة من الفضة. وتتميز هذه المسكوكات بظهور صورة ملك فارس على الوجه الأمامي، تشبه العملة الأولى التي ذكرناها سابقًا. وعلى الوجه الخلفي للمسكوكات، يظهر المرزبان أو الحاكم الفارسي، وهو يركب جوادًا ويرتدي “التيارا” ويحمل رمحًا بيمينه.

نظرًا لوجود علاقات تجارية بين ممالك فلسطين والممالك المجاورة خلال تلك الفترة، فكان من الطبيعي ظهور عملات أخرى. فقد ازدهرت التجارة بين حكماء أثينا وساحل فلسطين، وظهرت خلال الفترة بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد عملات نقدية يونانية مصنوعة من الفضة. تحمل هذه العملات على الوجه الأمامي صورة رأس الإلهة “أثينا” وهي ترتدي خوذة مزخرفة بالنباتات، أما على الوجه الخلفي لهذه القطعة النقدية، فتظهر رسمة لبومة تتجه بجسمها إلى اليمين وبرأسها إلى الأمام، وخلفها توجد خصلة زيتون وهلال، وعلى الجانب الأيمن توجد الأحرف الثلاث الأولى من اسم أثينا.

تواصلت استخدام النقود المعدنية في فلسطين حتى عام 333 قبل الميلاد، عندما قام الإسكندر المقدوني بغزو فلسطين بأكملها.

وجود ثلاث فئات من المسكوكات الفضية في تلك الفترة، وهي “تترا دراخما” أي ثلاث دراخمات، و”دراخما” واحدة، و”نصف دراخما”. وكان وزن قطعة التترا دراخما يبلغ حوالي 17 غرامًا، ووزن قطعة الدراخما يبلغ حوالي 4.4 غرامًا. على وجه المسكوكات النحاسية والفضية، ظهرت صورة رأس هرقل، بينما ظهر على الوجه الآخر كيس النبل واسم الإسكندر على الجانب الأيمن منه.

عند تقسيم القادة الذين خلفوا الإسكندر المقدوني مملكته العظيمة، قام كل منهم بإصدار عملات نقدية حسب رغبته الشخصية. فقد حملت هذه العملات اسم “أنتيغونس” في البداية، ثم حملت اسم ولده ديمتريوس بوليوركتيس، وأيضًا حملت اسم “بطليموس” الأول. في فلسطين، تم استخدام مسكوكات تحمل صورة الإسكندر في البداية، ثم تم تغييرها في عام 305 قبل الميلاد لتحمل صورته معتمرًا تاجًا ذهبيًا على الوجه الأمامي، واسمه ولقبه باليونانية على الوجه الآخر.

واستمرت مسكوكات البطالمة في الاستخدام في فلسطين حتى عام 198 قبل الميلاد عندما استولى أنطيوخوس الثالث على فلسطين. وقد تميزت مسكوكاته بجمالها ودقتها، حيث كانت المسكوكات الفضية تحمل رأس الملك يعتمر تاجه الذهبي على الوجه الأمامي، ورسم الإله “أبولون” جالسًا على المقعد الحجري في المعبد على الوجه الآخر. وكان اسم الملك ولقبه موجودين على جوانب المسكوكة بالأحرف اللاتينية. وأضاف أنطيوخوس الرابع قطعًا نحاسية وفضية جديدة إلى المسكوكات التي أصدرها أجداده. استمرت هذه العملة في التداول حتى فترة ما بعد ثورة المكابيين. وفي تلك الفترة، قام ملوك الحشمونيين بإصدار عملات نحاسية خالية من صور الأشخاص، بل كانت مزخرفة بقرني خصاب وخوذة على الوجه الأمامي، وعلى الوجه الآخر ظهر اسم الملك محاطًا بإكليل الغار.

وخلال الفترة الرومانية، حصلت معظم المدن الفلسطينية على حق ضرب العملات التي تحمل أسماءها. وقد وجدت قطع نقدية تحمل أسماء عدة مدن فلسطينية، ومن بين هذه المدن التي تم ذكرها على القطع النقدية:

وتَحتوي القائمة على العديد من المدن والمواقع في المنطقة، ويمكن إعادة صياغتها كالتالي: صفورية، طبرية، قيسارية، نابلس، سبسطية، إيليا (كابتولينا في القدس)، عسقلان، غزة، تل السمخ، عكا، اللد، عمواس، يافا، أنتيدون، رفح، بيت جبرين، أسدود، بيسان، أرسوف، حيفا، والعديد من المواقع الأخرى.

على العملات المسكوكة في المدن الفلسطينية، كان يظهر صورة رأس الإمبراطور الروماني مع اسمه وألقابه، سواء باللاتينية أو اليونانية. أما على الجانب الخلفي، فكانت تختلف تصاميمها من مدينة إلى أخرى. ومع ذلك، كانت جميعها تضع اسم المدينة التي تنتمي إليها، سواء في إكليل غار أو مع صورة آلهة الحظ أو آلهة الصحة أو شجرة النخيل أو إله الحرب وغيرها.

أثناء ثورة اليهود عام 66 م ضد الرومان، صُكَّت عدة مسكوكات فضية من فئة شاقل ونصف الشاقل. كان على وجه هذه المسكوكات “طست” صغير ذو قاعدة، وعلى ظهرها ثلاث زهرات، وأعلاها يظهر التاريخ. أما المسكوكات النحاسية فكانت تحمل على الوجه الأول جرة نحيلة، وعلى الوجه الآخر ورقة عنب.

بعد انتصار الإمبراطور فسبسيانوس على الثوار اليهود، قاموا بصك مسكوكات جديدة لتخليد انتصاره، وكانت تحمل صورة رأس الإمبراطور واسمه وألقابه باليونانية، بالإضافة إلى رموز أخرى تعبِّر جميعها عن النصر الذي حققه.

اذا انتقلنا إلى العملات الورقية: 500 مل،1 جنيه، 5جنيه،10 جنيه،50 جنيه،100 جنيه.

تم إصدار هذه العملات في الذكرى التاسعة لوعد بلفور، حيث تم طبع أكثر من 59 مليون جنيه فلسطيني. وتتوفر هذه العملات في 22 فئة مختلفة، وتحمل تواريخ متنوعة.

ظلت النقود الورقية معتمدة في فلسطين بعد قيام الكيان الصهيوني حتى 15 تشرين الثاني 1948. وفي قطاع غزة، استمرت النقود الورقية في الاعتماد حتى 9 حزيران 1951، في حين استمرت في الضفة الغربية حتى 30 تشرين الثاني 1950.

صور العملات وتواريخ الإصدار:
استمرت النقود الفلسطينية مرتبطة بالنظام النقدي الاسترليني حتى 22 فبراير 1948، عندما تم اتخاذ قرار بخروج فلسطين من منطقة الاسترليني. قامت بريطانيا بفرض قيود قانونية بموجب “الدفاع المالي الإنجليزي” على الأموال الفلسطينية الموجودة في إنجلترا ومنعت خروجها. وقد بلغت قيمة هذه الأموال الفلسطينية المجمدة 130 مليون جنيه إنجليزي، منها 54 مليون جنيه على شكل سندات تغطية نقدية وحوالي 76 مليون جنيه كأرصدة بنكية. تم تجميدها تحت مسمى “الأرصدة الاسترلينية”، والتي في الواقع تعتبر حقًا ينتمي لشعب فلسطين.

بعد النكبة في عام 1948، تم حل مجلس فلسطين للنقد وتوقف إصدار الجنيه الفلسطيني. استمرت استخدام الأوراق النقدية والقطع النقدية في المملكة الأردنية الهاشمية والضفة الغربية حتى عام 1949، عندما بدأت السلطات الأردنية إصدار الدينار الأردني. في قطاع غزة، استُبدل الجنيه الفلسطيني بالجنيه المصري في عام 1951. أما في إسرائيل، فاستمر استخدام الجنيه الفلسطيني حتى عام 1952، ولكن المؤسسة المصدرة للأوراق النقدية كانت شركة إنكلترا فلسطين التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية. في أوائل الخمسينات، أنشأت إسرائيل بنكًا مركزيًا وبدأت في إصدار الليرة الإسرائيلية بدلاً من الجنيه الفلسطيني. بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة من قبل إسرائيل في عام 1967، أُغلقت البنوك الفلسطينية وفرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي استخدام الليرة الإسرائيلية وفيما بعد الشيكل والشيكل الجديد على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

فماذا عن الشيكل هل هو فلسطيني ام يهودى؟؟
تمت الموافقة على قانون في الرابع من يونيو 1969 من قبل الكنيست الصهيوني لاستبدال الليرة بوحدة النقد “الشيكل”. ومع ذلك، لم يصدر وزير المالية في الحكومة الصهيونية أي توجيهات لتنفيذ هذا القانون ولم يتخذ أي إجراء في هذا الصدد. واستمر استخدام الليرة في القطاعات المالية والمصرفية والتجارية اليومية حتى 24 فبراير 1980. في هذا التاريخ، أصدر وزير المالية سيمحا ايرليخ، الذي كان يخدم في حكومة مناحيم بيغن، توجيهاته بإلغاء استخدام الليرة واعتماد الشيكل كعملة رسمية. يتكون الشيكل من وحدات فرعية تسمى “الأغورة”، وكل 100 أغورة تعادل شيكلا واحداً. في الأول من يناير 1986، تم إصدار الشيكل الجديد لاستبدال الشيكل القديم، وذلك كجزء من خطة الاستقرار الاقتصادي لعام 1985.

تواجهنا هنا حادثة تاريخية مهمة، حيث كانت الحضارة العراقية القديمة والمكتشفات الأثرية والمراسلات بين الأفراد تعتمد على قطعة صغيرة من الفضة تسمى باللغة العربية الأكادية البابلية “الشيكل/ الشيقل”. وتعني الكلمة “الوزن” باللغة العربية الأكادية. كانت تستخدم كوسيلة لتسوية المدفوعات وأداة لقياس القيمة. تم ذكرها في التشريع الذي يعود إلى الملك أورنمو، من سلالة أور الثالثة (2112-2004 قبل الميلاد)، ويعتبر أول قانون مدون في تاريخ البشرية. على سبيل المثال، في المادة 19 من هذا القانون، يتم ذكر أنه إذا كسر رجل سن رجل آخر، عليه أن يدفع غرامتين من الفضة وهما شيقلين.

أصدر لبيت عشتار، خامس ملوك سلالة إسن (1934-1924 قبل الميلاد)، مدونة تشريعية مكتوبة بالسومرية، وتُعتبر من بين أكثر التشريعات القديمة الناضجة التي تم اكتشافها. وفي المادة التاسعة من هذا القانون، جاءت العبارة التالية، على سبيل المثال: “إذا دخل رجل بستان رجل آخر وتم القبض عليه هناك وهو يسرق، فعليه أن يدفع عشرة شيكلات من الفضة”. وأيضًا في شريعة اشنونا، التي وضعها الملك بلالاما (1992 قبل الميلاد)، والتي تسبق قانون حمورابي بخمسين سنة، تظهر الكلمة “الشيكل/ الشيقل” في العديد من نصوص القانون، كما هو مذكور في المادة الأولى: “يُعتبر رطل واحد من الشعير بقيمة شيقل واحد من الفضة”.

وضع الملك الشهير حمورابي، مؤسس سلالة بابل (1594 قبل الميلاد)، شريعة حمورابي التي تُعتبر واحدة من أهم القوانين التي صاغت في تلك الفترة. وتحتوي الشريعة على إشارات متعددة إلى “الشيكل/ الشيقل” في المواد 204، 209، 2011، 213، 215، 216، 217، 221، 222، 223، 228، 259، 260، 277. في المادة 204، يتم ذكر ما يلي: “إذا قام شخص بصفع آخر وجهه، فعليه أن يدفع عشرة شيكلات من الفضة”.

في كتابه “صناعة التعدين”، يشير وليد الجادر إلى مختلف أنواع ودرجات الفضة التي كانت تعرف بأوصاف مختلفة. ومن بين هذه الأوصاف، تشمل الفضة النقية (الصافية أو المصقولة) واللماعة والصلبة (القوية). وكانت الفضة تُشكل في أشكال مختلفة، مشابهة للذهب، لأغراض الحلي والزينة وغيرها. كما تم تصنيع الفضة في شكل قطع يتم تحديد أوزانها وقياسها بوحدة الشيكل (الشيقل) أيضًا.

يقول علي كاظم عباس الشيخ، في بحثه “المسكوكات البيزنطية والساسانية المتداولة في العراق حتى التعريب”: “اهتـدى سـكان العراق القديم ــ وخاصة الآشوريين فى عهد الملك الآشوري سنحاريب (681 ــ 704 ق.م) ــ إلـى “الشيكل/ الشيقل”؛ لأنه سهل الكثير من المعاملات التجارية. كسلعة وسيطة. وكان ابتكار “الشيكل/ الشيقل” و”نصف الشيكل/ الشيقل”، حيث ورد في الكتابات التاريخية “لقد أمرت بصنع قوالب من الطين وأن يصب البرونز فيه لصنع قطع نصف شاقل [شيكل]”، وكان الشيكل يحمل نقشا لصورة إله الشمس وعشتار.

كذلك ورد ذكر “الشيكل/ الشيقل” في التوراة، كوحدة للتعامل عند الكنعانيين، عندما ابتاع ابراهيم مغارة المكفيلة من عفرون، “يَا سَيِّدِي، اسْمَعْنِي. أَرْضٌ بِأَرْبَعِ مِئَةِ شَاقِلِ فِضَّةٍ، مَا هِيَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟ فَادْفِنْ مَيْتَكَ”. فَسَمِعَ إِبْرَاهِيمُ لِعِفْرُونَ، وَوَزَنَ إِبْرَاهِيمُ لِعِفْرُونَ الْفِضَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي مَسَامِعِ بَنِي حِثَّ. أَرْبَعَ مِئَةِ شَاقِلِ فِضَّةٍ جَائِزَةٍ عِنْدَ التُّجَّارِ” ــ سفر التكوين (23: 15ــ 16). ومن المفيد القول أنه لا أساس من الصحة لهذه الرواية، فإنه لم يعثر حتى الآن على أى دليل آثارى، سواء كان كتابة أو نقشاً، أو حتى نقشا يقبل التفسير، أو في نصوص تقبل ـ حتى ـ التأويل، يمكن أن يشير إلى هذه الحادثة، على كثرة ما اكتشف فيها من تفاصيل ووثائق

You May Have Missed