×

“رماد الحرب”.. كيف تعيش غزة بعد أن خمد القصف؟

 

تقرير علياء الهواري

حين تضع الحروب أوزارها، يتخيل العالم أن كل شيء يعود إلى طبيعته. لكن في غزة، لا تعني نهاية القصف نهاية الألم، بل بدايته الحقيقية.
فما خلفته الطائرات لا يُمحى بالصمت،

وما تبقى من المدن ليس إلا رمادًا يروي حكاية شعب كتب عليه أن يعيد بناء ذاكرته كل مرة من تحت الأنقاض.
في هذا التقرير، ننزل إلى قلب غزة، حيث الركام لا يزال ساخنًا،

وننصت لحكايات من يعيشون اليوم تحت سقف السماء، يتقاسمون الألم، ويعيدون الحياة بيد واحدة وأملٍ لا يُقهر

على أطراف حي الشجاعية، أحد أكثر الأحياء تضررًا، تجلس أم خالد على قطعة إسمنت كانت بالأمس جزءًا من جدار منزلها.
تُمسك بين يديها صورة لابنها الشهيد وتهمس: “كان بيحلم يكمل طب، بس الطيارة سبقت حلمه”.

رغم الدمار الذي يُطوِّق المكان، لا تزال النساء هنا يغسلن الملابس، والأطفال يركضون بين الأنقاض، وكأنهم قرروا أن يكسروا وحشة الموت بالضحك.
“إحنا بنعيش رغم كل شيء”، تقول أم خالد، ثم تُضيف: “الغزة مش بيوت، الغزة ناس.. والناس لسه هون”.

مدارس تتحول لملاجئ
تقول أمين سر إحدى مدارس وكالة الغوث (الأونروا) شمال غزة:
“استقبلنا خلال الحرب أكثر من 900 نازح في المدرسة. اليوم بعد انتهاء القصف، نصفهم لا يزالون هنا، لأن بيوتهم اختفت تمامًا.”

بعض العائلات تفرشت الفصول، وبعضها نصبت خيمًا صغيرة في الساحات.
الأطفال محرومون من الدراسة، بينما الكبار منشغلون في ترتيب حياة مؤقتة داخل جدران ليست لهم.

“نحتاج حلولًا عاجلة، لا يمكن ترك الناس هنا حتى الشتاء”، يقول مدير المدرسة، مشيرًا إلى غياب الخطط الفعلية لإعادة الإعمار

في أحد مراكز الإغاثة المحلية، تقف مجموعة من النساء لتوزيع المساعدات الغذائية، من بينهن “دعاء”، متطوعة في العشرينات من عمرها فقدت منزلها خلال الحرب.
“أنا بخدم الناس اللي في نفس موقفي”، تقول بابتسامة متماسكة، “كلنا خسرنا، بس لازم نوقف مع بعض”.

النساء في غزة لسن مجرد متلقّيات للمأساة، بل فاعلات في مواجهتها، يحملن أطفالهن بيد، وباليد الأخرى يقدن قوافل المساعدات، ويؤسسن مبادرات الدعم النفسي والمجتمعي

في مخيم النصيرات، تسير الطفلة “ملك” ذات السبع سنوات، حاملة دميتها القديمة التي لم تفارقها رغم الغارات.
“هي خافت معايا”، تقول ببساطة طفولية، قبل أن تنظر لأمها وتسأل: “إمتى هنبني بيت جديد؟”.

الأطفال في غزة ليسوا بخير. فالحرب لم تسرق منهم الجدران فقط، بل سلبت الأمان، والضحك العفوي، والطمأنينة.

تقول أخصائية نفسية تعمل مع مركز لإعادة تأهيل الأطفال:
“نواجه صدمات متراكمة، الطفل الذي نجى من القصف، يعيش القصف مجددًا في الحلم، في الصوت العالي، وفي نظرة الأم الخائفة”.

إعادة الإعمار: الوعود لا تكفي
بعد وقف إطلاق النار، وعدت جهات دولية وعربية بالمساهمة في إعادة إعمار غزة. لكن على الأرض، لم تُشاهد إلا حفارات تزيل الردم، دون بداية حقيقية للبناء.

“المشكلة مش بس في المادة، المشكلة في السياسة”، يقول مهندس الإعمار “وليد النجار”.
“الإجراءات البيروقراطية، ومنع دخول المواد، وتعقيد التصاريح، كل ده بيعطّل البدء، والناس بتنام في العراء”.

المواطن الغزيّ لا يثق في تلك الوعود كثيرًا، فقد سمع مثلها في 2014 و2021. واليوم، يكررون ما قالوه وقتها: “إحنا بنعمر بإيدينا”.

بينما يقضي العالم عطلته الصيفية، يحاول سكان غزة النجاة من حرّ أغسطس داخل خيام بلا كهرباء أو مياه باردة.
الطاقة شبه معدومة، المياه المالحة تملأ الصنابير، والبطالة ترتفع يومًا بعد يوم.

“حتى لو معاك فلوس، ما فيش منتجات بالسوق”، يقول أبو طارق، صاحب بقالة صغيرة في رفح.
“إحنا عايشين بحصار مضاعف: من الاحتلال، ومن التجاهل العربي”.

رغم كل هذا الألم، لا تزال غزة تقاوم بطريقتها الخاصة.
شباب يُعيدون طلاء الجدران، أطفال يرسمون أعلام فلسطين على الحوائط، وفنانون يُطلقون أغاني من داخل الخيام.

“هنا، كل فعل بسيط هو مقاومة”، تقول الشاعرة الشابة “سارة الكرنز”.
“القصيدة صارت سلاح، والغناء صار حياة، والابتسامة صارت موقف سياسي”.

غزة اليوم ليست كما كانت، لكنها لا تزال غزة.
من تحت الركام، تولد الحياة من جديد، برضا شعبي لا يُفهم إلا في حضرة الألم الجماعي، وبقدرة مذهلة على النجاة بدون ضجيج.
إنه شعب لا يعرف الاستسلام، لا لأن الحرب لم تُسحقه، بل لأنه قرر ألا يُهزم.

ففي كل بيت مهدوم، هناك قلب ينبض، وفي كل دمعة صامتة، هناك وعد بالمقاومة، وفي كل رماد، هناك بذرة تعِدُ بأن تنبت حياة.

You May Have Missed