الحمد لله المحمود على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل الضلال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله جبله ربه على جميل الفعال وكريم الخصال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير صحب وآل والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل، ثم أما بعد يا أيها الناس، إن أمة لا تحافظ على عقول بنيها لأمة ضائعة، فماذا فعل السكر بأهل الجاهلية؟ وهل أعاد لهم مجدا تليدا أو وطنا سليبا؟ فهل أخرجوا الناس من ظلمات الجهل والتيه إلى نور الهدى والإستقامة؟ لا، وكلا وألف لا، فإن فقدان العقل بالسكر عادة قبيحة، كانت تلازم أهل الجاهلية، عند معاقرتهم الخمرة، يقضون الليالي الساهرة، مع الأصحاب والخلان على احتسائها، وهم مع ذلك يعدونها وسيلة من وسائل الفخر والكرم.
على حين فترة من الرسل، فصدرت الخمرة في مطلع معلقة هي من أشهر معلقات العرب السبع، التي قيل إنها علقت على أستار الكعبة، ثم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنا لأمته قوله ” ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع” وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في حادث الإسراء، أنه قال ” وأتيت بإناءين، في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقيل لي خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن، فشربت، فقيل لي هديت الفطرة، أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر، غوت أمتك” رواه البخاري، وفي بعض روايات ابن جرير رحمه الله أن جبريل قال “أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل” وإن قول جبريل عليه السلام يؤكد أن الأمة المسلمة الحقة.
لا يمكن أن تتبع شارب خمر، حتى ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاشاه عن ذلك صلوات الله وسلامه عليه، إذًا لا يجتمع في الأمة لبن وخمر، بمعنى أنه لا تجتمع فطرة وخمر، فإما فطرة صالحة بلا خمر، وإما خمر وتيه بلا فطرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن” رواه مسلم، ولكن ما سر هذه الاستجابة السريعة العميقة، من الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم، بعد أن كانت الخمر محبوبتهم ومن مفاخرهم ؟ إنه الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب، والذي يفعل أثره أكثر مما يفعل السحر، وتلك هي ثماره وآثاره، الإيمان الذي يجعل من الشاب قوي الإرادة، ماضي العزيمة طموحا للمعالي نافعا لدينه ووطنه ومجتمعه.
ولا ينسى في هذا المجال إتخاذ الطرق الصحيحة لمعالجة المدمنين في المصحات والمشافي، وملء أوقات فراغهم بالنافع المفيد، فمن تاب تاب الله عليه، وغفر زلته، وحوبته، وأقال عثرته، فأعلموا عباد الله أن من واجبات أفراد هذا المجتمع أن يكونوا فاعلين ومتعاونين مع أجهزة مكافحة المخدرات التي تقوم بدورها البطولي لمواجهة هذا الخطر الذي يهدد مجتمعنا، وذلك بالإبلاغ عمن يروّج ويهرب وعن أوكارها فهذا من إنكار المنكر وحفظ الأمن ومن التعاون على البر والتقوى لكف الشر والأذى عن المسلمين، فقال الشيخ ابن باز رحمه الله ” لا ريب أن مكافحة المسكرات والمخدرات من أعظم الجهاد في سبيل الله، ومن أهم الواجبات التعاون بين أفراد المجتمع في مكافحة ذلك لأن مكافحتها في مصلحة الجميع.
ولأن فشوّها ورواجها مضرة على الجميع، ومن قتل في سبيل مكافحة هذا الشر وهو حسن النية، فهو من الشهداء، ومن أعان على فضح هذه الأوكار وبيانها للمسؤولين، فهو مأجور، وبذلك يعتبر مجاهدا في سبيل الحق، وفي مصلحة المسلمين وحماية مجتمعهم مما يضر بهم”