×

قصة قصيرة عن بر الوالدين 

 

كتبت مرفت عبد القادر 

 

عندما تأخّر رامي عن الإفطار كان الغروب ينساب ببطء فوق أطراف بغداد،

والمدينة تستعد لاستقبال ساعة الإفطار في ليالي رمضان،

حيث تتصاعد من البيوت رائحة الحساء والتمر، ويمتزج كل شيء بنسيم المساء

ونداء المؤذن الذي يعلن قرب موعد الراحة بعد نهار طويل من الصيام.

 

في بيت متواضع على أطراف العاصمة، كانت أم رامي تقف في المطبخ تغسل الأواني بعصبية ظاهرة،

بينما كان صوت ابنها لا يزال يرن في أذنها منذ دقائق، حين حاول مصالحتها بابتسامته المعهودة، لكن محاولاته لم تنفع هذه المرة.

 

كان رامي شاباً في الثالثة والعشرين، يعمل موظفاً بسيطاً في إحدى الدوائر الحكومية،

وكان رمضان فرصته السنوية للتقرب من والدته أكثر، لكن خلافاً بسيطاً نشب بينهما ذلك اليوم حول موضوع تافه،

ولم تكن الأم تعلم أن تلك الكلمات العابرة ستكون آخر ما تسمعه منه في حياتها.

 

وقف رامي أمامها مبتسماً يحاول تهدئة الأجواء وقال لها “ماما، ماذا ستطبخين اليوم على الإفطار؟” فأجابت وهي لا ترفع عينيها عنه بجفاء “سم!” فضحك وقال برقة وحنان “حتى السم سيكون له طعم لذيذ إن كان من يديكِ.” لكنها لم تبتسم، بل زادت حدّة صوتها وقالت “اذهب من أمامي، لا أريد أن أراك.” ضحك رامي رغم الألم الذي شعر به في صدره وحاول مرة أخرى “طيب، ابتسمي على الأقل، لا تتركيني أخرج وأنتِ غاضبة.” فردت بقسوة متعبة “اتركني أكمل أعمالي، لا وقت لديّ لمزاحك هذا.” فقال بنبرة حزينة وهو يهم بالمغادرة “إلى هذه الدرجة غاضبة مني يا أمي؟” فصرخت فيه “لا أريد أن أرى وجهك حتى تتعلم كيف تحترمني.” خفض رأسه وقال بصوت مكسور “ماشي، أنا زعلان، ولن أفطر اليوم معكِ.” فردت بحدة لم تعهدها في نفسها “كل السم الهاري!” فأجابها مبتسماً رغم الألم “ماشي، كما تشائين.” ثم غادر البيت.

 

خرج رامي إلى الشارع والسماء بدأت تميل إلى لون نحاسي خفيف، حمل في جيبه محفظته، وقرر أن يشتري لوالدته شيئاً تحبه ليعتذر منها كما كان يفعل في صغره، فمر على السوق واشترى عقداً بسيطاً من الفضة، نقش عليه بخط جميل “رضاكِ همّي يا أمي”، ووضعه في جيبه وهو يبتسم في نفسه، يتخيل لحظة تقديمه لها قبل الأذان، وهو يقبل يدها ويقول “لا طعام يطيب لي إلا معكِ يا أمي.”

 

في البيت، بعد أن خف غضب الأم، وقفت أمام المرآة تنظر إلى نفسها كمن يوبخ ذاته، وقالت في نفسها “لماذا قلت له تلك الكلمات؟ يا رب، لا تؤاخذني بما تلفظ لساني، هو ولدي قطعة من قلبي، قسوت عليه من غير سبب.” ثم نادت ابنتها الصغرى سارة وقالت “تعالي يا ابنتي جهزي المائدة، يبدو أني ظلمت أخاك، والله لا يعطيني العافية إن كان زعلان مني.” وبدأت تحضر له طعامه المفضل، رزاً أصفر بالدجاج والبهارات التي يحبها، وكانت تتخيل وجهه وهو يضحك حين يراها قد أعدت له ما يحب، وكيف سيقترب منها ويقول “عرفتِ أني لا أقاوم رائحة طعامكِ!”

 

قالت سارة “ماما، خمس دقائق فقط على الأذان، هل أضع الأكل الآن؟” قالت الأم وهي تمسح عرقها بمنديل صغير “نعم ضعيه، واتصلي برامي على هاتفه، لكن لا تقولي له إنني طلبت منكِ، دعيه يشعر بقيمتي قليلاً.” أخذت سارة الهاتف واتصلت مراراً، ثم قالت بقلق “ماما، الهاتف مغلق أو خارج التغطية.” ردت الأم وهي تحاول أن تبدو هادئة “ربما في السوق، سيعود الآن، الله يحميه.” ثم جلسوا جميعاً ينتظرون الأذان، وكانت تنظر إلى الباب كل دقيقة كأنها تنتظر الحياة أن تدقه وتدخل.

 

حين أذن المؤذن، رفعت يديها للدعاء لكن اللقمة لم تقترب من فمها، وقالت في نفسها “كيف أفطر وابني حبيبي ربما جائع الآن وهو زعلان مني؟ يا رب لا تؤاخذني، لقد قسوت عليه من غير سبب، اجعله الآن في طريقه إليّ.” مرت عشر دقائق ثم ربع ساعة والباب لا يفتح، وبدأت دقات قلبها تزداد، وأحست بوخز في صدرها، ثم انقطع صمت البيت بصوت التلفاز الذي أعلن خبراً عاجلاً “تفجير في منطقة الكرادة، وقوع عدد من الشهداء والجرحى.” شهقت الأم وارتجف جسدها، نظرت إلى الشاشة ثم إلى الأب وقالت “رامي! خرج من هذا الطريق… يا الله احفظه.” حاول الأب تهدئتها وهو يخفي قلقه “لا تقلقي، ربما لم يمر من هناك، سأخرج لأتأكد.”

 

بعد دقائق معدودة، رن الهاتف، أمسك الأب الجهاز بيد مرتجفة وصوته يخنقه البكاء، قال الرجل من الطرف الآخر “نعتذر، لقد وجدنا بطاقة هوية لرامي، وهو من بين الشهداء، رحمه الله.” سقط الهاتف من يد الأب، وارتجفت الأم وهي تنظر إليه وقالت بصوت مخنوق “قل لي إنه بخير، أخبرني أنه بخير.” أخفض الأب رأسه والدموع تسيل من عينيه دون أن ينطق بكلمة، فصرخت الأم “كاذبون! سيعود، سيطرق الباب بعد قليل ويقول ماما جئت أتناول طعامي.” لكن الباب ظل صامتاً والليل ازداد ثقلاً. خرج الأب إلى المستشفى لتأكيد الخبر، بينما جلست الأم قرب المائدة تنظر إلى الطعام الذي برد وتحدق في الكرسي الفارغ أمامها.

 

رفعت هاتفها واتصلت بزوجها “أخبرني، هل وجدت رامي؟ هل هو مصاب؟ قل لي إنه مصاب فقط، سأقبل أن يكون جريحاً، لكن لا تقل لي إنه رحل.” جاء صوت الأب باكياً من بعيد “رامي استشهد، يا أم رامي، استشهد.” سقط الهاتف من يدها وركضت إلى الخارج وهي تصرخ “لا، لم يمت، لن يموت من أغضب أمه، سيعود ليعتذر، ابني لا يموت غاضباً مني.” وحين وصلت إلى المستشفى كانت ترتجف من رأسها إلى قدميها، تنادي باسمه في كل ممر، حتى قادها أحد الأطباء إلى الغرفة التي يرقد فيها جسده المسجى. رأت شرشفاً أبيض مضرجاً بالدماء فصرخت في وجههم “لماذا غطيتموه بشرشف قذر! إنه صائم! يريد أن يفطر الآن!” أزاحت الغطاء بيدين مرتجفتين فرأت وجهه ساكناً كأن الحياة أطفأت شمعتها بداخله، فانهارت عليه تبكي وتقول “قم يا حبيبي، الأكلة التي تحبها جبتها معي، قم لنفطر معاً كما كل رمضان، قل لي أنك سامحتني، تكلم يا رامي، لا تتركني في ذنبي!”

 

دخل الطبيب بهدوء يحمل في يده سواراً فضيًا وقال بصوت خافت “هذا ما وجدناه في جيبه، يبدو أنه اشتراه قبل الحادث.” ناولها السوار وكان مكتوباً عليه “رضاكِ همّي يا أمي.” عندها أطلقت الأم صرخة كأنها خرجت من أعماق جهنم، وانهارت على الأرض تمسح وجهه وتقول “رضي الله عنك يا بنيّ دنيا وآخرة، سامحني، سامحني يا نور عيني، كنت أظن أني أؤدبك فإذا بي أودعك.” لم تعد بعد ذلك كما كانت، بقيت كل ليلة تجلس أمام صورته وتقول “يا بنيّ، كم تمنيتُ لو عاد الزمن، لكن الزمن لا يعود.”

 

يا من تقرأ هذه القصة، احذر أن تغضب قلب أمك أو تهمل برّها، وكن رفيقاً بكلماتك، فالقلوب التي تحبنا قد تجرحنا أحياناً بغير قصد، لكنها تبقى موطن الحب الحقيقي، ولا تترك بيتك وفيه خصام، فإن الموت لا يستأذن أحداً ولا يمنح فرصة ثانية، فانشر هذه القصة لتكون تذكيراً لكل من ظن أن الغد قادم دائماً، وعلّق بسبحان الله وبحمده لتكون من الذين ينشرون الوعي ويذكرون الناس ببر الوالدين قبل فوات الأوان.

إرسال التعليق

You May Have Missed