كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون 

 

بقلم  محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله المحمود بجميع المحامد تعظيما وثناء، المتصف بصفات الكمال عزة وكبرياء، الحمد لله الواحد بلا شريك القوي بلا نصير، العزيز بلا ظهير الذي رفع منازل الشهداء في دار البقاء وحث عباده على البذل والفداء، أحمده سبحانه حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأئمة الكرام النجباء وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد يا أيها الإخوة المؤمنون إن موت الإنسان كموت كأي كائن حي، فهو أمر طبيعي فرضه الله تعالى على كل نفس، فقال تعالى ” كل نفس ذائقة الموت ” ولم يكن هناك صعوبات في تشخيص الموت، فالميت ميت إلا ما ندر.

 

لكن الطبيب إذا شك في سبب الوفاة أحال الحالة إلى الطبيب الشرعي أما إذا شك في بقاء الحياة إستخدم وسائل أخرى كي يتأكد من حصول الوفاة، فما تعريف الموت وكيف يموت الإنسان ومتى يموت ؟ وما الشيء الذي إذا توقف عن العمل مات الإنسان؟ وكيف يحكم الطبيب على هذا الإنسان أنه ميت ؟ وكيف يعطي إذنا بالدفن ؟ فإنه شيء دقيق، والعلماء قالوا توقف القلب وتوقف الدورة الدموية، أي النبض وتوقف التنفس وما يصاحب ذلك من علامات، وهذا تعريف أولي للموت ولكن أجهزة الإنعاش التي اخترعت وتطورت أصبحت تستطيع أن تضخ الدم في الشرايين وأن تعيد للرئة حركتها الصناعية، فهل يعد هذا الذي مشى الدم في عروقه ثانية وخفقت رئتاه بشكل ميكانيكي مصطنع هل يعد هذا حيا ؟ فالعلماء قالوا لا.

 

فإن هناك شيء خطير في الإنسان هو الدماغ بل إن أخطر ما في الدماغ جزع الدماغ، وجزع الدماغ هي المسافة بين نهاية النخاع الشوكي وبين بداية المخ وهذه المنطقة إسمها جزع الدماغ وهي منطقة خطيرة جدا، وهذه إذا إنقطع عنها الدم أربع دقائق فقط تموت، وإذا ماتت يحكم على الرجل بالموت، ولو بقي دمه يجري عن طريق أجهزة الإنعاش، لماذا ؟ لأن في هذه المنطقة منطقة جزع الدماغ وهي منطقة مسؤولة عن التنفس فإذا توقف التنفس توقف نقل الدم من حالة زرقاء مشحونة، فإذا مات جزع الدماغ، وإذا إنقطع الدم عن جزع الدماغ أربعة دقائق ماذا يحصل ؟ قال بعض العلماء يحصل الإغماء الكامل، فهذا الرجل لا يستجيب لأية مؤثرات، مهما تكن مؤلمة، ولو أنه أصدر صوتا أو حرك بعض أصابعه لكان في حياة، لكان جزع الدماغ صحيحا وحيا.

 

ولكنه إذا مات جزع الدماغ لا يستجيب المريض لأي مؤثر، وإذا مات جزع الدماغ يتوقف التنفس وإذا مات جوع الدماغ تتعطل الأفعال المنعكسة، يعني إذا وضع الطبيب ضوء شديدا في العين قزحية العين لا تضيق فإذا وضع الطبيب على قرنية العين قطنا فإن الأجفان لا ترمش، وإذا صب الطبيب في أذن المريض ماء باردا فإن مقلة العين لا تتحرك، فإن تعريف الموت لا يزال أعقد من هذا الكلام ويعني جزع الدماغ يحيى بالدم والدم يسأل عنه القلب والقلب إذا توقف عن الضخ وإنقطع الدم عن جزع الدماغ أربعة دقائق مات جزع الدماغ، فإذا مات جزع الدماغ توقف التنفس وتوقفت الأفعال المنعكسة وأصيب الإنسان بإغماء كامل، فإنه ما منا أحد إلا وسوف يصل إلى هذه الحالة فماذا أعددت لما بعدها ؟ وما من رجل على وجه الأرض أو أنثى.

 

وما من مخلوق إلا وسوف يشاهده الطبيب ويحكم عليه بالموت في ساعة أو أخرى واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، ويا ترى إذا فتح الطبيب مصباحا شديدا ووضعه في العين وبقيت القزحية على حالها ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله عظم الله أجركم وهذا حال الدنيا، ومريضكم قد توفي، فيا هذا المريض ماذا أعد لما بعد الموت؟ فإذا جاء الطبيب بمرآة صقيلة ووضعها على أنف المريض رجاء أن يرى بعض الأبخرة على هذه المرآة دليل التنفس، فإن بقيت صقيلة لامعة لا أثر لبخار الماء عليها يقول عظم الله أجركم توفي مريضكم، فإن هذه الساعة لا بد آتيه، ولا بد من أن نصل إليها جميعا، فكل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

 

فيقول تعالي ” كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ” فإن من أكرم الناس وأكيسهم ؟ هو أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم له إستعدادا، وألا وإن من علامات العقل هو ‏التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإستعداد للموت قبل نزوله، ولا بد من أن يقف الطبيب ويقول توفي الرجل، وإنتهت حياته وعظم الله أجركم، فإن كان طائعا لله تعالي فهنيئا له، فتقول السيدة فاطمة رضي الله عنها ” واكربتاه يا أبت قال لا كرب على أبيك بعد اليوم” غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه”

You May Have Missed