كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله ثم الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره،

نحمده سبحانه أحاط بكل شيء خبرا، ونحمده بأن جعل لكل شيء قدرا،

وأسبغ علينا وعلى العالمين من حفظـه سترا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين كافة عذرا ونذر،

اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه،

ومن تبعهم ووالاهم بإحسان إلى يوم الدين ثم أما بعد، لقد أوصي الإسلام بالجار أعظم الوصية وإن من حقوق الجار هو تفقده وقضاء حوائجه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم” رواه الطبراني، وعن نافع عن ابن عمر قال لقد أتى علينا زمان أو قال حين وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم.

 

ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ” كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه ” رواه البخاري، وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ” رواه مسلم، وفي رواية له عن أبي ذر قال إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني ” إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف” وعنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها و لو فرسن شاة ” متفق عليه، وإن الصالحين كانوا يتفقدون جيرانهم ويسعون في قضاء حوائجهم، فقد كانت الهدية تأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

فيبعث بها إلى جاره، ويبعث بها الجار إلى جار آخر، وهكذا تدور على أكثر من عشرة دور حتى ترجع إلى الأول، ولما ذبح عبد الله بن عمر رضي الله عنهما شاة قال لغلامه، إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي، وسألت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال “إلى أقربهما منكي بابا” وكما أن من حقوق الجار هو ستره وصيانة عرضه، وإن هذه لمن آكد الحقوق، فبحكم الجوار قد يطَّلع الجار على بعض أمور جاره فينبغي أن يوطن نفسه على ستر جاره مستحضرا أنه إن فعل ذلك ستره الله في الدنيا والآخرة، أما إن هتك ستره فقد عرّض نفسه لجزاء من جنس عمله، ويقول الله تعالي ” وما ربك بظلام للعبيد ” وقد كان العرب يفخرون بصيانتهم أعراض الجيران حتى في الجاهلية، يقول عنترة.

 

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي، حتى يواري جارتي مأواها، وأما في الإسلام فيقول أحدهم ما ضر جاري إذ أجاوره، ألا يكون لبيته ستر، أعمى إذا ما جارتي خرجت، حتى يواري جارتي الخدر، وروى الخطيب البغدادي عن عبد الله بن رجاء الدغاني قال كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكافي يعمل نهاره أجمع حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحما فطبخه أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غنى بصوت وهو يقول أضاعوني وأي فتى أضاعوا، ليوم كريهة وسداد ثغر، فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم وكان أبو حنيفة يسمع جلبته وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه فقيل أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد وركب بغلته واستأذن على الأمير.

 

قال الأمير إيذنوا له واقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ففعل ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه وقال ما حاجتك قال لي جار إسكافي أخذه العسس منذ ليالي، يأمر الأمير بتخليته فقال نعم وكل من أخذه بتلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة والإسكافي يمشي وراءه فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال يا فتى أضعناك؟ قال لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عن حرمة الجوار ورعاية الحق وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان ما.

You May Have Missed