وأنه هو أضحك وأبكى

بقلم  محمـــد الدكـــروري

الحمد لله ثم الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره، نحمده سبحانه أحاط بكل شيء خبرا، ونحمده بأن جعل لكل شيء قدرا، وأسبغ علينا وعلى العالمين من حفظـه سترا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي قال الله تعالى في كتابه العزيز “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب” وكما قال الله تعالى “إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألق السمع وهو شهيد” وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين كافة عذرا ونذر، اللهم صلي على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم ووالاهم بإحسان إلى يوم الدين ثم أما بعد، إن البكاء نعمة عظيمة إمتن الله تعالي بها على عباده، حيث قال سبحانه وتعالى ” وأنه هو أضحك وأبكى” فبه تحصل المواساة للمحزون والتسلية للمصاب والمتنفس من هموم الحياة ومتاعبها.

ويمثل البكاء مشهدا من مشاهد الإنسانية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت تمر به المواقف المختلفة فتهتز لأجلها مشاعره وتفيض منها عيناه ويخفق معها فؤاده الطاهر، ودموع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن سببها الحزن والألم فحسب ولكن لها دوافع أخرى كالرحمة والشفقة على الآخرين، والشوق والمحبة وفوق ذلك كله الخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى، فها هي العبرات قد سالت على خد النبي صلى الله عليه وسلم شاهدة بتعظيمة ربه وتوقيره لمولاه وهيبته من جلاله عندما كان يقف بين يديه يناجيه ويبكي ويصف أحد الصحابة ذلك المشهد فيقول ” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء وهو الصوت الذي يصدره الوعاء عند غليانه ” رواه النسائي.

وتروي أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها موقفا آخر فتقول ” قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي فقال “يا عائشة ذريني أتعبد لربي” فتطهر ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بلّ حجره ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ لحيته، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض، وجاء بلال رضي الله عنه يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال صلى الله عليه وسلم له ” أفلا أكون عبدا شكورا ؟ ” رواه ابن حبان، وسرعان ما كانت الدموع تتقاطر من عينيه إذا سمع القرآن، وروى لنا ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال ” قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ” اقرأ عليّ” قلت يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ فقال “نعم” فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية.

“فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ” فقال صلى الله عليه وسلم “حسبك الآن” فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان ” رواه البخاري، كما بكى النبي صلى الله عليه وسلم إعتبارا بمصير الإنسان بعد موته، فعن البراء بن عازب ضي الله عنه قال ” كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر أي طرفه، فبكى حتى بل الثرى ثم قال ” يا إخواني لمثل هذا فأعدّوا” رواه ابن ماجة، وإنما كان بكاؤه عليه الصلاة والسلام بمثل هذه الشدة لوقوفه على أهوال القبور وشدتها، ولذلك قال في موضع آخر “لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا” متفق عليه، وبكى النبي صلى الله عليه وسلم رحمة بأمته وخوفا عليها من عذاب الله.

كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه يوم قرأ قول الله عز وجل ” إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ” ثم رفع يديه وقال ” اللهم أمتي أمتي” وبكى

You May Have Missed