ولا تيأسوا من روح الله
ولا تيأسوا من روح الله
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا عزّ إلا في طاعته، ولا سعادة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في ذكره، الذي إذا أطيع شكر، وإذا عُصي تاب وغفر، والذي إذا دُعي أجاب، وإذا استُعيذ به أعاذ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الدين يسر ” أي بأن دين الإسلام ذو يسر، وسمى الدين يسرا على سبيل المبالغة فكأنه لشدة اليسر فيه وكثرته، ثم كون هذا الدين يسرا يجوز أن يكون بالنسبة إلى ذاته، ويجوز أن يكون بالنسبة إلى الأديان قبله لأن الله تعالي رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة، وهذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم، وتلك هي القاعدة الكبرى في الشريعة الإسلامية.
أن مبناها على التيسير الذي لا مشقة فيه ولا عسر، لكن إشكالا قد يحصل للبعض من أبناء الإسلام بأن يفهموا اليسر على غير حقيقته، مما يدفعهم إلي إهمال كثير من الأمور الشرعية بحجة التيسير والتخفيف على أنفسهم، والعجيب أن مثل هؤلاء يحتجون ببعض الأدلة الشرعية دون فهم لها، ويتتبعون الرخص وزلات العلماء بحجة أن هذا الدين يسر، فيأخذوا بقول كل واحد دون النظر هل هذا القول موافق للشرع أم لا؟ المهم عندهم أن يوافق أي قول هواهم، وصدق الله العظيم إذ يقول ” أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ” وإن من الآفات المعيقة عن الصبر هو اليأس وهو أعظم عوائق الصبر وهو الذي حذر يعقوب أبناءه من الوقوع فيه مع تكرار البحث عن يوسف وأخيه.
” يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون” وهو الذي حرص القرآن الكريم على دفعه عن أنفس المؤمنين فبذر الأمل في صدورهم ” ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس” وقال لهم ” ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون، والله معكم ولن يتركم أعمالكم” إن إضاءة شعلة الأمل دواء اليأس وهذا ما ذكرت به الآيات المؤمنين وهو ما ذكر به موسى قومه فقال تعالي ” إستعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين” ولما شكا الصحابي الجليل خباب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلاقيه من أذى قريش قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكره مصاب الصالحين في الأمم قبله.
” والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون” وكما أنه لا يجوز تمييع أمور الدين بحجة التيسير لأن هذا مما لا يقبل في الشريعة الإسلامية أبدا، والأمثلة على ذلك كثيرة، فإن إتباع الشرع والإلتزام به هو سبيل التيسير، وعلى هذا سار سلفنا الصالح رحمة الله عليهم، ولكن هل معنى التيسير ترك التكاليف الشرعية والسعي وراء الملذات والملهيات؟ أم للأمر ضابط يحكمه، ولا شك أن للتيسير ضوابط منها هو وجود ما يدعوا إلي التيسير، فلا بد أن يوجد ما يدعوا إلي التيسير من ضرورة أو حاجة تتنزل منزلة الضرورة، أو مشقة تستوجب التيسير، فإذا لم يوجد ذلك فإن التيسير يكون اتباعا للهوى وتحكيما للشهوة.
وعليه أن يفرق بين من لابس الحكم الشرعي فعجز، ومن ادعى العجز قبل ملابسته الحكم، وأن يكون التيسير قائما على دليل شرعي، فلابد من إستناده على دليل شرعي يؤيده، إما من كتاب أوسنة، وألا يعارض نصا شرعيا، فكل قول مخالف لنص شرعي مردود على صاحبه، فيشترط للأخذ بالأيسر ألا يخالف نصا شرعيا أو إجماعا، وألا يكون فيه تتبع للرخص والزلات، وألا يكون فيه إثم، وفيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراما أو مكروها.














